المتنبي في هذا العصر:-
مَا كُنتُ أَحسَبُ أَنَّ الدَّهرَ يَبتَسِمُ ……حَتَّى رَأَيْتُ صُرُوفاً زَانَهَا العَلَمُ
تَبَدَّلَ الخَيلُ بِالفُولاذِ تَحمِلُنِي ……..وَالْعَزْمُ فِيهِ لِنَيْلِ الْمَجْدِ مُحْتَدِمُ
سَيَّارَةٌ لَو جَرَتْ فِي الرِّيحِ قد سَبَقَت نَبْضَ القُلُوبِ وَمَا اهْتَزَّتْ لَهَا قَدَمُ
تَطوِي المَسَافَةَ وَالأَميالُ خَاضِعَةٌ …..كَأَنَّها بَرْقُ غَيْمٍ حَفَّهُ العَدَمُ
وَاللَّيلُ مَا عَادَ لِلأَهوالِ مَسكَنُهُ ……بَل صَارَ شَمساً بِهَا الأَنوارُ تَزدَحِمُ
مَدائِنٌ تَسرِقُ الأَبصارَ بَهجَتُهَا …….كَأَنَّها الفَجرُ لا خَوفٌ وَلا ظُلَمُ
وَالبَيدُ أَمسَتْ جِناناً خُضْرَةً نَضُرَتْ ……قَد حَلَّ فِيهَا رَبِيعٌ لَيسَ يَنصَرِمُ
طَوَيتُ فِيهَا فِيافِي القَفرِ مِن تَرَفٍ وأَينَعَ الزَّرعُ حَيثُ الرَّملُ يَلتَئِمُ…..
ما لِلرِّمَاحِ وما لِلسَّيفِ مَنزِلَةٌ ……عِندَ الزِّنادِ الَّذِي بِالموتِ يَرتَسِمُ
جوَّالِيَ اليَومَ دِيوَانٌ أُدَبِّرُهُ ……فِيهِ المَعَانِي وَفِيهِ الحُكْمُ وَالحِكَمُ
أَخُطُّ قَولِي فيَمضِي فِي المَدَى شُهُباً ويعلَمُ النَّاسُ مَن شادُوا ومَن هدَمُوا
أَنا الَّذِي نَظَرَ الأَعمَى لِضوءِ يَدِي وأَسمَعَتْ نَبَضَاتِي مَن بِهِ صَمَمُ
إِحداثِياتٌ لنظمِي لا نَظِيرَ لَهَا. …….فَمَا يُجَارِي ذَكَائِي الخَلقُ وَالأُمَمُ
أَسنانُ غَدرٍ مِنَ الفُولاذِ مَارِقَةٌ …….تُصْمِي القُلُوبَ فَلا دِرعٌ ولا هِمَمُ
صَارَ القِتَالُ بِنَقرٍ لا مَسِيسَ لَهُ ……كَأَنَّهُ القَدَرُ المَحتُومُ يُقتَحَمُ
أَمَّا القَراطِيسُ وَالأَقلامُ قَد حَمَلَت ……سِرَّ العُقُولِ بِلَوحٍ مِلؤُهُ نَظَمُ
أَخُطُّ قَوْلِي فَيَمضِي فِي المَدَى شُهُباً
فِيهِ المَعَانِي وَفِيهِ الحُكمُ وَالحِكَمُ
مَاضَاعَ سَعْيٌ لِمَن بِالحَقِّ قَدْ أَنهى
وَيَعلَمُ النَّاسُ مَن شادُوا ومَن هدَمُوا
فَالجَريُ وَاللَّيلُ وَالأَضوَاءُ تَعرِفُنِي
وَالفَتْكُ وَالرَّقمُ وَالجَوَّالُ وَالنَّغَمُ
مَا زِلتُ مَالِئَ هَذَا الكَونِ مَفخَرَةً
وَإِنْ تَبَدَّلَتِ الأَشكَالُ وَالقِيَّمُ.
أَنَا المَسِيحُ لِهَذَا العَصْرِ أُحْيِيِهِ
بِشِعْرِ لُبٍّ بَقَاؤُه فِيهِ يَنْحَسِمُ
د.صبا الزهاوي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق