سرادق عزاء
ركب سيارته الفارهة ليؤدي واجب العزاء، القرية كأغلب قرى المركز طريقها ترابي، غاصت إطارات السيارة ولم يستطع أن يصل بها إلى مكان المأتم، تركها مغروسة وترجّل.
دخل سرادق العزاء وهو يجر عباءته خلفه ويلف حول عنقه الشال الكشمير، وينتعل حذاءً يعكس الأضواء، هرع إليه الناس يصافحون ويعانقون ويفسحون له المكان، سألت عنه أحد المعمرين بجانبي.
نظر إليَّ بحاجبين مرفوعين قائلا: ألا تعرفه (فلان الفلاني) عضو مجلس النواب عن دائرتنا منذ قرابة الأربع سنوات، لقد أوشكت دورته على الانتهاء، كيف لا تعرفه يا دكتور؟
ثم هز رأسه وقال: عندك حق، فمنذ دعايته الانتخابية لم نره إلا الآن، كان الله في عونه، مشاغله كثيرة.
قلت له: بل قل دورته أوشكت على الانتهاء ومجيئه دعاية انتخابية لدورة جديدة، ليس كما تظنون للمواساة وأداء واجب العزاء.
قال: (لا لا يا بني ماتقلش كدا، دا كفايه علينا وشه البشوش ولما تروح له بيته يقابلك أحسن مقابلة، هو صحيح مابيعملش حاجة بس أهو منا وعلينا واللي نعرفه أحسن من اللي مانعرفوش)
وما أن جلس على كرسي من الكراسي المذهّبة، جاءوا بها خصيصا لوجهاء المجتمع، إلا وسلط مصور الفيديو الكاميرا عليه لتبث صوره على جميع شاشات الشادر، وتزاحم عليه الوجهاء الآخرين لأخذ صور تذكارية معه، وجاءه الجارسون بقارورة المياة المعدنية المثلجة وفنجان القهوة.
أقبل عليه أخو الميت مهرولا، مرددا: (شكر الله سعيك يا معالي الباشا، معزى أخي اللي روحت لسعاتك عشان تجيب له قرار علاج على نفقت الدولة من شهر، خلاص مات ماتتعبش نفسك، أنا عارف إن مشاغلك كتيرة كان الله في العون)
وهناك وعلى الجانب الآخر وفي الضوء الخافت يوجد المجهولون، الذين نفتقدهم في سرادقات العزاء ونجدهم في المقدمة في صلاة الجنازة وحفر القبور وحمل النعش.
مرتدو الملابس البسيطة، منتعلو الأحذية البلاستيك، أصحاب القلوب البيضاء والوجوه المنيرة والأيدي الخشنة والأقدام المشققة.
لا يأبه بهم أحد، لا نشعر بوجودهم، لكنهم لو غابوا شعرنا بهم، فهم كالماء أهون موجود وأعز مفقود.
لا صدام ولا شجار ولا جدال، في الوضع الصامت دائما.
عند خروجه؛ خرجوا خلفه ليخرجوا له سيارته المغروسة، بعدما أخرجوها أخرج لهم يده من النافذة بحزمة من اعلانات الدعاية للدورة القادمة، تحرك مثيرا الغبار وهم يلوحون له ويرفعون صوره إن شاء الله ناجح في انتخابات الدورة القادمة.
د. ابراهيم مصري النهر
ركب سيارته الفارهة ليؤدي واجب العزاء، القرية كأغلب قرى المركز طريقها ترابي، غاصت إطارات السيارة ولم يستطع أن يصل بها إلى مكان المأتم، تركها مغروسة وترجّل.
دخل سرادق العزاء وهو يجر عباءته خلفه ويلف حول عنقه الشال الكشمير، وينتعل حذاءً يعكس الأضواء، هرع إليه الناس يصافحون ويعانقون ويفسحون له المكان، سألت عنه أحد المعمرين بجانبي.
نظر إليَّ بحاجبين مرفوعين قائلا: ألا تعرفه (فلان الفلاني) عضو مجلس النواب عن دائرتنا منذ قرابة الأربع سنوات، لقد أوشكت دورته على الانتهاء، كيف لا تعرفه يا دكتور؟
ثم هز رأسه وقال: عندك حق، فمنذ دعايته الانتخابية لم نره إلا الآن، كان الله في عونه، مشاغله كثيرة.
قلت له: بل قل دورته أوشكت على الانتهاء ومجيئه دعاية انتخابية لدورة جديدة، ليس كما تظنون للمواساة وأداء واجب العزاء.
قال: (لا لا يا بني ماتقلش كدا، دا كفايه علينا وشه البشوش ولما تروح له بيته يقابلك أحسن مقابلة، هو صحيح مابيعملش حاجة بس أهو منا وعلينا واللي نعرفه أحسن من اللي مانعرفوش)
وما أن جلس على كرسي من الكراسي المذهّبة، جاءوا بها خصيصا لوجهاء المجتمع، إلا وسلط مصور الفيديو الكاميرا عليه لتبث صوره على جميع شاشات الشادر، وتزاحم عليه الوجهاء الآخرين لأخذ صور تذكارية معه، وجاءه الجارسون بقارورة المياة المعدنية المثلجة وفنجان القهوة.
أقبل عليه أخو الميت مهرولا، مرددا: (شكر الله سعيك يا معالي الباشا، معزى أخي اللي روحت لسعاتك عشان تجيب له قرار علاج على نفقت الدولة من شهر، خلاص مات ماتتعبش نفسك، أنا عارف إن مشاغلك كتيرة كان الله في العون)
وهناك وعلى الجانب الآخر وفي الضوء الخافت يوجد المجهولون، الذين نفتقدهم في سرادقات العزاء ونجدهم في المقدمة في صلاة الجنازة وحفر القبور وحمل النعش.
مرتدو الملابس البسيطة، منتعلو الأحذية البلاستيك، أصحاب القلوب البيضاء والوجوه المنيرة والأيدي الخشنة والأقدام المشققة.
لا يأبه بهم أحد، لا نشعر بوجودهم، لكنهم لو غابوا شعرنا بهم، فهم كالماء أهون موجود وأعز مفقود.
لا صدام ولا شجار ولا جدال، في الوضع الصامت دائما.
عند خروجه؛ خرجوا خلفه ليخرجوا له سيارته المغروسة، بعدما أخرجوها أخرج لهم يده من النافذة بحزمة من اعلانات الدعاية للدورة القادمة، تحرك مثيرا الغبار وهم يلوحون له ويرفعون صوره إن شاء الله ناجح في انتخابات الدورة القادمة.
د. ابراهيم مصري النهر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق